الدولار الجمركيّ: “خربان بيوت” للمواطن والشركات ورشوة لموظفي القطاع العام!

Home » الدولار الجمركيّ: “خربان بيوت” للمواطن والشركات ورشوة لموظفي القطاع العام!
الدولار الجمركيّ: “خربان بيوت” للمواطن والشركات ورشوة لموظفي القطاع العام!

فيما لبنان يمر بأصعب مرحلة اقتصادية في تاريخه الحديث، وميزانية الدولة اللبنانية تغرق منذ عقود في دين عام وسط سياسة اقتصادية عززت الإستدانة والإستيراد والصرف وفق القاعدة الإثني عشرية… وقبل أشهر من الانتخابات النيابية، مع قطاع عام رواتبه باتت في الحضيض إثر تدهور الليرة اللبنانية بشكل غير مسبوق مقابل الدولار، لم ير المسؤولون في لبنان مصدراً لـ”الرشوة الانتخابية” إلا من أموال الدولة نفسها، عبر رفع الدولار الجمركي لنسبة قد تتخطى ال 800%.

ورفع الدولار الجمركي قد يؤمن للدولة تمويل زيادة الرواتب لموظفي الدولة، رشوة مفاعيلها لا تقل سوءاً عن مفاعيل إقرار سلسلة الرتب والرواتب قبيل انتخابات عام 2018. إذ أنّ رفع التعرفة الجمركية سيصيب القطاعات الإنتاجية بمقتل، وسترتد آثاره على المواطن اللبناني بشكل مباشر، في بلد يعتمد على الإستيراد بشكل كبير، بعد عقود من إغفال القطاعات الانتاجية!

وقانون الدولار الجمركي تم إقراره منذ نحو شهر بهدف “زيادة مداخيل الدولة” لكنّ نتائجه وفق خبراء اقتصاديين ستكون عكسية، فيما الترقب اليوم يتركز حول تحديد قيمة الدولار الجمركي.
وهذا القانون الذي تبدو مساوئه أكثر من حسناته -إن وجدت- نستعرض في هذا المقال تأثيراته الإقتصادية…


الدولار الجمركي… يساوي دولار المصارف؟

وفي حديث لـ”التحري”، يتوقع الخبير الإقتصادي باتريك مارديني أن يتم اعتماد تعرفة الدولار الجمركي وفق سعر 8 آلاف ليرة للدولار، وهو السعر نفسه الذي يسحب من خلاله المواطنون الدولار القديم المقيّد في المصارف، أو ما يعرف بـ”اللولار” بعد أن تم تعديله من 1500 (وهو السعر الرسمي لليرة) الى 3900 فـ8000 ليرة للسحوبات المصرفية مؤخراً.

وفي حين تأتي هذه الخطوة مع توقعات بتغيير سعر الصرف الرسمي للدولة، ليصبح بحدود 6 أو 8 آلاف ليرة، يستبعد مارديني أن يتم تحديد التعرفة الجمركية وفق سعر منصة صيرفة دفعة واحدة، وهي اليوم بحدود 24 ألف ليرة.

محاكاة عملية…

وفي محاكاة عملية، ووفق دراسة أعدتها “الدولية للمعلومات” عن تأثير رفع الدولار الجمركي إلى حدود 14 ألف ليرة لبنانية، قدرت زيادة كبيرة للرسوم بمعدل 833 في المئة، الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع والبضائع بنسب مختلفة. وأشارت الدراسة إلى بعض النماذج الحية، فالهاتف الجوال الذي يبلغ ثمنه 100 دولار أميركي، تبلغ رسومه الحالية قرابة 25 ألف ليرة.
أما في حال اعتماد الدولار بـ14 ألف ليرة ستصبح الرسوم 232 ألف ليرة، أي زيادة بنسبة 833 في المئة، وسيؤدي ذلك إلى ارتفاع سعر الهاتف بنسبة 9 في المئة. أما الدواء الذي يبلغ ثمنه 10 دولارات، فتبلغ نسبه الفعلية 5 في المئة، أي 750 ليرة، وسترتفع الرسوم إلى 7 آلاف ليرة، وثمنه بنسبة تقارب 3 في المئة، أي إن الزيادة بنسبة 833 في المئة.

المواطن… المتضرر “الأول” و”الأخير”!

وعن انعكاسات رفع الدولار الجمركي الاقتصادية، فيصفها مارديني بـ”السيئة جداً” سواء على المواطن وهو المستهلك الأخير للسلعة او حتى على القطاعات الإقتصادية وشركات الاستيراد والتصدير. وذلك لأسباب عديدة.
ولبنان يستورد معظم حاجاته من الخارج، بما فيها المواد الأولية التي تدخل في قطاعاته الصناعية. وبالتالي، فإنّ زيادة الجمرك على الاستيراد هو ضريبة غير مباشرة على المواطن، ما يعني تضرره على نطاق واسع، وما يعني مزيداً من التضخم وفقدان القدرة الشرائية.
أما بالنسبة للقطاعات الإنتاجية، فالأضرار عليها هي الأخرى ستكون كارثية، فالمصانع والمعامل التي تستورد مواد أولية، ستزيد عليها كلفة التصنيع، فيما ستزيد الأعباء على شركات الاستيراد والتصدير.

هنا، يسأل مارديني “إن كانت هناك شركات تصدير واستيراد أبقت على عملها في لبنان رغم تقلب مستمر للدولار وغياب الاستقرار النقدي والأمني والسياسي، ما الذي قد يجعلها تبقى بعد إضافة أزمة جديدة متمثلة بتعرفة جمركية مرتفعة؟”، معلّقاً بالقول “إذا كانت ما زالت هناك عدة شركات استيراد وتصدير صامدة في البلد، فبعد اعتماد التعرفة الجديدة سوف لن يبقى منها إلا القليل!

نحو إلغاء التعرفة الجمركية؟

وفي وقت يعتبر فيه توحيد أسعار الصرف أحد شروط صندوق النقد الدولي، يشير مارديني إلى أنّ “تعديل الدولار الجمركي وتغيير سعر الصرف الرسمي يجب أن يكونا بالتوازي مع تخفيض التعرفة الجمركية، لا رفعها”.

وينطلق من نظريته هذه من واقع الجمارك اللبنانية كـ”بؤرة فساد تضر أكثر مما تفيد”، وإذ يرى بـ”إلغاء الجمارك” حلاّ ناجعاً للسيناريو اللبناني (حيث تخسر الدولة اللبنانية نحو 700 مليون دولار نتيجة التلاعب بالرسوم الجمركية والتهرّب منها)، يلفت إلى ضرورة حصر العمل الجمركي بضمان عدم تهريب أسلحة ومخدرات إلى البلد وضبط المرافق العامة”.
ويدعم مارديني وجهة نظره لافتاً إلى أنه “عدا عن أننا من أغلى دول العالم من حيث تكلفة الإجراءات الجمركية، فنحن أيضاً من أسوأ الدول من حيث الوقت لتخليص البضاعة سواء على صعيد الاستيراد أو التصدير”. وكل هذا الاستنزاف للمال والوقت، “لا ينقصه بالتأكيد رفع للتعرفة الجمركية”.

ويستشهد بأن “هناك العديد من بلدان العالم التي ألغت التعرفات الجمركية، ما يخفف من الأوراق والتعقيدات الجمركية ويؤدي بطبيعة الحال لإيقاف التهرب الجمركي”.
وهذا “الحل الأنسب بموضوع التهرب الجمركي”. إذ “كلما ارتفعت التعرفة الجمركية كلما ازدادت الشركات التي تلجأ للتهرب الجمركي، وهذا مزراب للهدر نعاني منه في لبنان منذ عقود، فيما زيادة التعرفة الجمركية ستفاقم المشكلة”.

مفعول عكسي… انهيار العائدات الجمركية!

“فالرسوم الجمركية على البضائع سيكون مفعولها عكسياً”، يقول مارديني، حيث أن “الايرادات الجمركية ستهبط وهي نتيجة معاكسة للهدف الذي وضع من أجله قانون رفع التعرفة الجمركية”.

فمع كل هذه التعقيدات في الجمارك اللبنانية، يضاف إليها رفع التعرفة الجمركية “ستنقل شركات أعمالها إلى خارج لبنان، فيما شركات ستقفل بعد تفاقم خساراتها، ما يطرد الاستثمارات ويلحق الأضرار بالدورة الاقتصادية”. أما الشركات التي لم تكن تلجأ للتهريب الجمركي، “فقد يلجأ بعضها له لضمان استمراريته”.
وأمام نتائج كهذه، فالنتيجة الحتمية هي “انهيار العائدات الجمركية”، وبما أنّه “لحقت وبدّا تنهار… يصبح إلغاء الدولار الجمركي هو الحل الأفضل”.

لتخفيض النفقات عوض زيادة المداخيل!

فزيادة التعرفة الجمركية، وزيادة الضرائب بشكل عام لحل مشكلة الموازنة العامة، “ليست مجدية، بل أن خفض النفقات هو الأمر الذي يحتاجه لبنان لضبط الموازنة” دون الحاجة للضرائب، يقول مارديني.

ويعزو ضرورة خفض النفقات المرتفعة وتحديداً في الصفقات العامة، إلى “شبهات الفساد والتنفيعات، فتاريخ لبنان حافل بوزراء يلزّمون متعهدين بصفقات عمومية بملايين الدولارات، صفقات كانت مصدراً هائلاً للفساد وهدر أموال الدولة”.
من هنا، فإن ضبط الموازنة العامة يلزم وضع ضوابط صارمة. في السياق، ينتقد مارديني “ضرب أهمية قانون الشراء العام الجديد، عبر تعيين هيئة الشراء من قبل الحكومة، وهذا تضارب للمصالح يؤذي المصلحة العامة”.

ومع أنّ جان العلية “أثبت استقلاليته، لكنه وضع رئيساً مؤقتاً لهيئة الشراء العام، للقول له بأنه “إذا لم تمرر لنا مناقصة، فأنت مهدد بموقعك، طالما أنه بتصرف الحكومة توقع لنا”.

وفي بلد باتت غالبية سكانه من “الفقراء”، ولا يستطيعون سداد ضرائب باهظة، تصبح سياسة زيادة المداخيل “ظالمة” و”فاشلة” وتجربة الجباية في مؤسسة كهرباء لبنان على ذلك “شاهدة”!
ومع هذا، ما زالت السلطة في لبنان تزيد من حجم المداخيل، وتبعد عنها “كأس” تخفيض الإنفاق. كيف لا والإنفاق باب للهدر، سُخّرت عبره أموال الدولة، وعندما أفلست الدولة، هُرِّبت الأموال وما زال سياسيو لبنان يقولون لشعبه “هات هات… وما تأسف عاللي فات”!

اضغط هنا لقراءة المقال على موقع التحرّي